عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

378

اللباب في علوم الكتاب

فصل في معنى الآية قال عطاء : المعنى : أخذلهم ، وأدعهم في ضلالتهم يتمادون « 1 » . قال الجبّائي « 2 » : المعنى : ونذرهم ، أي : لا نحول بينهم وبين اختيارهم من ذلك لكن نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره ، لكنّا نمهلهم إن أقاموا على طغيانهم ، فذلك من قبلهم وهو يوجب تأكيد الحجّة عليهم . وقال أهل السّنّة « 3 » : نقلّب أفئدتهم من الحقّ إلى الباطل ، ونتركهم في ذلك الطّغيان ، وفي ذلك الضّلال والعمة . ويقال للجبّائي : إنّك تقول : إن إله العالم ما أراد بعباده إلّا الخير والرّحمة ، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه ؟ ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر ؟ أقصى ما في الباب ؛ أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقا إلى الثّواب ، فيفوته الاستحقاق فقط ، وقد يسلم من العقاب ، أمّا إذا تركه في ذلك العمة مع علمه بأنه يموت عليه ، فإنه لا يحصل له استحقاق الثّواب ، ويحصل له العقاب العظيم الدّائم ، فالمفسدة الحاصلة عن خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء ، مفسدة واحدة ؛ وهي فوات استحقاق الثّواب مع حصول العقاب الشّديد ، والرّحيم المحسن النّاظر إلى عباده ، لا بدّ وأن يرجّح الجانب الّذي هو أكثر إصلاحا ، وأقل فسادا ، فعلمنا أنّ إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمة والطّغيان ، يقدح في أنّه لا يريد به إلّا الخير والإحسان « 4 » . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) اعلم : أنه - تبارك وتعالى - بيّن في هذه الآية الكريمة تفصيل ما ذكره مجملا في قوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بيّن أنّه - تعالى - لو أعطاهم ما طلبوه من إنزال الملائكة حتّى رأوهم عيانا ، وإحياء الموتى حتّى كلّموهم ، وشهدوا لك بالنّبوّة كما سألوا ، بل زاد في ذلك ما لا يبلغه اقتراحهم بأن يحشر عليهم كلّ شيء قبلا ، ما كانوا ليؤمنوا إلّا أن يشاء اللّه . قال ابن عبّاس : المستهزئون بالقرآن العظيم كانوا خمسة : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السّهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزّهري ، والأسود بن المطّلب ، والحارث بن حنظلة ، ثمّ إنّهم أتوا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورهط من أهل مكّة المشرّفة ، وقالوا له : أرنا الملائكة يشهدوا بأنّك رسول اللّه ، أو ابعث لنا بعض موتانا

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره 2 / 123 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 122 . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 122 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق .